محمود ماضي

130

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

وذات جبريل الملقى بأمر اللّه تعالى ، فهما ذاتان منفصلتان تمام الانفصال ، وآيات القرآن ووقائع السيرة النبوية تؤكدان على هذه الحقيقة ، فالموحى به من خارج ذات محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، فضلا عن أنه لم ينسب ما جاء به لنفسه وإنما أعلن أنه من خارج ذاته . يقول صاحب « الإسلام خواطر وسوانح » : « . . . لو رجعنا إلى ما وضحه الحكماء عن النبوة ولم يقبله المتكلمون من المسيحيين لأمكننا الوقوف على حالة مشيد دعائم الإسلام وجزمنا بأنه لم يكن من المبتدعين . . . ومن الصعب أن نقف على حقيقة سماعه لصوت جبريل - عليه السلام - إلا أن معرفة هذه الحقيقة لا تغير موضوع المسألة لأن الصدق حاصل في كل حال » « 1 » . و « واط » أساء فهم الحديث حين استدل بمجيء الوحي إلى الرسول على « صورة رجل » على أنها صورة تخيلها محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » . أم أنه يستبعد أن يتشكل الوحي بالصورة البشرية . إن كان كذلك فليقل هذا صراحة ولا يسيء فهم الحديث . ونقول له : هل تنكر تشكل الوحي بالصورة أو الهيئة البشرية عندما يكون الأمر يتعلق بالإسلام ونبي الإسلام ، ولا تستنكر ما فعله اليهود حين شبهوا الخالق بالمخلوق ، وزعموا أن اللّه جل وعلا تجسد في صورة إنسان لكل من إبراهيم ويعقوب ، وأنه تعالى طعم مع الملكين اللذين حضرا معه لزيارة إبراهيم ، واستراح في ظل شجرة ؟ « 2 » . أما القرآن الكريم - الذي يعتبره كثير من المستشرقين أوهام وتخيلات تتنزل من مخيلة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » فإنه يخبرنا أن الذين أتوا إبراهيم هم الملائكة وبشروه بإسحاق ويعقوب . وما العجب أو ما وجه الاستنكار - والتجنى على الوحي الإلهى إلى رسول اللّه - أن ملائكة اللّه يمكن أن يظهروا للأنبياء والرسل في صور بشر « 3 » ، كما في حديث رسول اللّه الذي ترويه أم المؤمنين عائشة « أن الحارث بن هشام ، سأل رسول اللّه « صلّى اللّه عليه وسلّم » فقال : يا رسول اللّه ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس - وهو أشده علىّ - فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمنى ، فأعي ما يقول ، قالت عائشة - رضى اللّه عنها - : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا » .

--> ( 1 ) - هنرى دىفاسترى : السابق ص 6 . ( 2 ) - سفر التكوين : الإصلاح 18 : 1 - 15 . ( 3 ) - أنظر : نبوة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » للمؤلف ، وأيضا : ابن خلدون : المقدمة .